الشيخ محمد هادي معرفة

480

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

* * * وإليك من تفاسير ابن عربيّ معتمدة على نظريّة وحدة الوجود ، جاءت في سائر كتبه : قال في تفسير قوله تعالى : « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ » « 1 » : لأنّه لا ينطق إلّا عن اللّه ، بل لا ينطق إلّا باللّه ، بل لا ينطق إلّا اللّه منه ، فإنّه صورته « 2 » . وفي تفسير قوله تعالى : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » « 3 » ، يقول : وادخلي جنّتي التي هي ستري ، وليست جنّتي سواك ، فأنت تسترني بذاتك الإنسانيّة ، فلا أُعرَف إلّا بك ، كما أنّك لا تكون إلّا بي ، فمن عرفك عرفني ، وأنا لا أُعرَف فأنت لا تُعرف ، فإذا دخلت جنّته دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربّك بمعرفتك إيّاها ، فتكون صاحب معرفتين ، معرفةً به من حيث أنت ، ومعرفة به بك من حيث هو لا من حيث أنت ، فأنت عبد وأنت ربّ لمن له فيه أنت عبد ، وأنت ربّ وأنت عبد لمن له في الخطاب عهد « 4 » . وفي تفسير قوله تعالى : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » « 5 » يقول : إنّ النفس لا تزكو إلّا بربّها ، فيه تُشرّف وتُعظّم في ذاتها ؛ لأنّ الزكاة ربو ، فمن كان الحقّ سمعه وبصره وجميع قواه ، والصورة في الشاهد صورة خلق ، فقد زكت نفس من هذا نعته وربت وأنبتت من كلّ زوج بهيج ، كالأسماء الإلهيّة للّه ، والخلق كلّه بهذا النعت في نفس الأمر ، ولولا أنّه هكذا في نفس الأمر ما صحّ لصورة الخلق ظهور ولا وجود ؛ ولذلك خاب من دسّاها ؛ لأنّه جهل ذلك فتخيّل أنّه دسَّها في هذا النعت ، وما علم أنّ هذا النعت لنفسه نعت ذاتيّ لا ينفكّ عنه يستحيل زواله ، لذلك وصفه بالخيبة ؛ حيث لم يعلم هذا ؛ ولذلك قال : قد أفلح ، ففرض له البقاء . والبقاء ليس إلّا للّه أو لما كان عند اللّه ، وما ثمّ إلّا اللّه أو ما هو عنده ،

--> ( 1 ) - . النساء 80 : 4 . ( 2 ) - . الفتوحات المكّيّة ، ج 4 ، ص 122 . ( 3 ) - . الفجر 27 : 89 - 30 . ( 4 ) - . فصوص الحكم ، ج 1 ، ص 191 - 193 التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 342 . ( 5 ) - . الشمس 9 : 91 - 10 .